jeudi 19 juillet 2007

تأملات في إرث الرفيق أنور

alt=""id="BLOGGER_PHOTO_ID_5088920578836637602" />


"سمير عطا الله"

عدت منذ أيام إلى تصفح كتاب الرفيق أنور خوجا «سكرتير حزب الشغيلة الألباني» بعنوان «تأملات حول الصين». وكنت قد اشتريت الكتاب المؤلف من جزأين، كل منهما في 826 صفحة، من سوق الخضار في «كان» الصيف الماضي بثلاثة اورو، على ما أذكر.ا

وتغطي «التأملات» عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وفي 826 صفحة زائد 826 صفحة، كان لحاكم ألبانيا همّ واحد: أن يثبت أن ماو أصبح أكثر انحرافا عن مبادئ الثورة الشيوعية من الاتحاد السوفياتي. وأن ماو تظاهر بالخلاف الآيديولوجي مع موسكو، لكنه في حقيقة الأمر كان يريد احتلال سيبيريا!.ا

وفي 826 صفحة زائد 826 صفحة كان الرفيق أنور يريد أن يثبت أنه الشيوعي الوحيد وجميع الآخرين انحرافيون. وقد عرفت الآن لماذا لم يكن في كل ألبانيا سوى بضع سيارات، ولماذا عاشت الناس على عربات تجرها الثيران، ولماذا عندما سقط النظام لم يكن الألبانيون قد رأوا معلبات السردين والتونة من قبل. وقد وصلت الزميلة هدى الحسيني إلى تيرانا موفدة من «الشرق الأوسط» ومعها حقيبة من المعلبات أهدتها إلى موظفي الفندق وصحافيي الوكالة الرسمية وآخرين، رأوا في علب السردين قفزة غذائية.ا

كان الرفيق أنور مأخوذا بمهمة تاريخية لا تؤجل: إثبات رجعية الصين وانحرافية الكرملين. ومن أجل ذلك لم يغلق باب مكتبه على نفسه لينصرف إلى «التأملات»، بل أغلق أبواب ونوافذ وثقوب ألبانيا. ولم يكن مهما على الإطلاق أن يأكل الشعب أو أن يقرأ أو أن يفكر أو أن يتأمل. لقد حول ألبانيا إلى قبر بارد بلا سقف. وكانت الإذاعة الوحيدة تردد تأملاته والصحيفة الوحيدة تنشر تأملاته والمكتبة الوحيدة تملأ رفوفها بأفكاره ومجادلاته وهرر الكلام.ا

لا أدري كم هو مجموع الأعوام التي ضاعت من عمر وتاريخ وحياة الشعب الألباني. لكن لو رأى سكرتير حزب «الشغيلة الألبان» ماذا يحدث في الصين وفي روسيا، اليوم، لانصرف إلى وضع عشرة مجلدات كل منها في 826 صفحة. الصينيون الذين لم يعرفوا سوى الدراجات يصدرون السيارات إلى العالم. ويشترون الطائرات الحديثة بالعشرات. ويذهلون العالم بنسبة النمو. والانحرافيون الروس يتولون الذهول الباقي. وكلاهما، الرجعي والمنحرف، يتقدم بسرعة هائلة إلى يوم يتخطى فيه أميركا وأوروبا. وقد يكون ذلك قبل أن ينتصف القرن الحالي.ا

لقد ضاع عمر قارات وأمم في اللغو. وكانت روسيا السوفياتية ضعيفة وفقيرة لدرجة أن هتلر همّ بمضغها. كما حاول نابوليون أن يلتهم روسيا القيصرية. وروسيا اليوم دولة صناعية عاصمتها هي الأكثر غلاء في العالم. وصحيح أن بعض الشعب يدفع الثمن لكن ليس كل الشعب وكل الناس وكل الأجيال.ا

(عن جريدة الشرق الأوسط)
القاعدة النكتة تقول: من لم يعلمه أبوه علمته الأيام والليالي.. ولم نكن نعرف أن الأيام والليالي هي الأبناء...ا
"أنيس منصور"
(عن جريدة الشرق الأوسط)

mercredi 18 juillet 2007

باكستان بعد اقتحام المسجد الأحمر

تحذير من الصبغة الحمراء الملونة للنقانق والبرغر












عامل يقطع اللحم المفروم (رويترز-أرشيف)ا


أوردت صحيفة ذي تايمز تحذيرا من الإصابة بالسرطان من جراء استخدام الصبغة التي تعطي النقانق الرخيصة لونها الطازج.ا

وقالت إن الصبغة التي تستخدم أحيانا في تلوين لحم البرغر والنقانق هي المقصودة من التحذير.ا

وأشارت إلى إعلان هيئة سلامة الأغذية الأوروبية أمس أنها لن تستطيع ضمان حد يومي آمن لمستهلكي اللحوم التي تحتوي على الصبغة الملونة "أحمر 2 جي"، المعروفة أيضا باسم إي 128.ا

وأشارت الصحيفة إلى تصريح المتحدث باسم المفوضية الأوروبية بأن التحقيقات كشفت أن الصبغة استخدمت أساسا في بريطانيا وإيرلندا، لكن لم يعرف مقياس الاستخدام.ا


وأضافت أن صبغة "أحمر 2 جي" هي جزء من عائلة أصباغ "آزو" المستخلصة والمعدلة من القار الأبيض والتي ارتبطت بالسرطان سنوات عدة.ا

ودعت الصحيفة على لسان أحد المسؤولين، في هيئة استشارية مستقلة في مجال سلامة الأغذية، إلى حظر الصبغة، حيث إنها توضع في اللحم ليبدو جيدا وهو نيئ.ا

ولفتت الصحيفة الانتباه إلى أن الصبغة المذكورة، التي تستخدم عادة في تلوين المذيبات والزيوت والشموع والبترول وورنيش الأحذية، ممنوعة من السلسلة الغذائية.ا

وأشارت إلى أن الدول التي تمنع فيها الصبغة "أحمر 2 جي" هي النرويج والسويد وفنلندا والنمسا والولايات المتحدة وكندا واليابان وسويسرا وأستراليا.ا
المصدر: الصحافة البريطانية

(خدمة الجزيرة نت)

jeudi 12 juillet 2007

...
ليس كل حوار يجلب النتيجة, لكنه بالتأكيد لن يكون بدون جدوى, وبمعنى آخر نتائج الحوار ليست بالتأكيد إيجابية لكن عدم وجود الحوار بالتأكيد شيئ سلبي. والحوار السياسي يُظهر وجوهاً عديدة للحقيقة التي نبحث عنها.ا

يطرح البعض-وفيه شيء من المنطق- أنه كيف يُمكن أن يجد لغة واحدة من خدم النظام سنوات طويلة مع من قبع في سجون النظام سنوات طويلة؟ كيف يمكن للشيوعي أن يجد لغة حوار مع عضو الإخوان المسلمين؟ العلماني مع المتدين؟ من يبحث عن جنة في السماء مع الذي يعمل لبنائها على الأرض؟
أسئلة فيها شيء من المعقولية, لكنني أعتقد أن الأكثر معقولية ومنطقية هو إن كان هذا الحوار وهذه اللغة المشتركة تساهم في خدمة الوطن والشعب فإنني أجدها ضرورية, لكنها تحتاج لشجاعة كبيرة أكبر من شجاعة التصدي للنظام وسياسته!...ا


"د. فاضل الخطيب"
(عن موقع العربية نت)

mardi 10 juillet 2007

تحديث العقلية العربية الإسلامية...ضرورة ملحة




كثيراً ما تعرض أركون في مؤلفاته ومقابلاته لموضوع الحداثة، سواء داخل الفكر الأوروبي، أو الفكر العربي الإسلامي. وكان دائماً يقيم تمييزاً بين التحقيب الزمني لتاريخ الفكر في كلتا الجهتين. فنحن عندما كنا حداثيين أو عقلانيين إبان العصر الذهبي للحضارة العباسية والأندلسية، كانت أوروبا تغطّ في نوم عميق: أي في ظلمات العصور الوسطى. وعندما استيقظت أوروبا في القرن الثاني عشر وترجمت علوم العرب وفلسفتهم وأخذت تنهض، ابتدأنا نحن نجمد ونتوقف عن العطاء الحضاري. وبالتالي، فالتقسيم الأوروبي لتاريخ الفكر لا ينطبق علينا نحن. فهم يقسمونه إلى ثلاثة عصور أساسية هي: العصور القديمة اليونانية ـ الرومانية، فالعصور الوسطى، فالعصور الحديثة. والأولى انتهت عملياً في القرن الخامس للميلاد، وأما الثانية فاستمرت حوالي ألف سنة، أي حتى القرن الخامس عشر للميلاد، في حين أن الثالثة لا تزال مستمرة منذ عصر النهضة، وحتى يومنا هذا.ا

ولو طبقنا هذا التقسيم الزمني علينا لرميت كل مرحلة الإبداع الحضاري من تاريخنا في ظلمات العصور الوسطى، وذلك لأن حضارتنا أشعَّت على العالم طيلة القرون الهجرية الستة الأولى، أي بين القرنين السابع والثاني عشر الميلادي. وهي فترة العصور الوسطى والظلامية العقلية بالنسبة لأوروبا المسيحية.ا

هكذا نلاحظ أنه ينبغي عدم تطبيق التقسيم الأوروبي على الحضارات الأخرى بشكل ميكانيكي. لكن يبقى صحيحاً القول إن الحداثة الأوروبية تجاوزت بإنجازاتها العلمية والفلسفية والتكنولوجية إنجازات كل الحضارات السابقة بما فيها الحضارة العربية الإسلامية. فطب ابن سينا لم يعد طبنا، وكيمياء جابر بن حيان لم تعد الكيمياء الحديثة، وقل الأمر ذاته عن الفيزياء، وعلم الفلك، والبصريات، وغير ذلك.. هناك سنوات ضوئية تفصل بين العلم الحديث وعلم أرسطو أو العلم العربي الذي تلاه. فما حصل من تقدم طيلة الأربعة قرون الماضية في أوروبا، شيء يتجاوز الخيال. والفلسفة العربية الإسلامية، أي فلسفة الفارابي وابن سينا وابن باجة وابن رشد.. لم تعد هي فلسفة كانط أو هيغل أو ماركس..ا

لكن أركون يفرق أيضاً بين نوعين من الحداثة: الحداثة المادية، والحداثة العقلية. والأولى تعني تحديث الوجود اليومي للبشر على صعيد الأكل والشرب واللباس والمسكن وتنظيم المدن والشوارع.. إلخ. وأما الثانية، فتعني تحديث الفكر نفسه، أي تحديث العقليات ونظرتنا إلى العالم والشعوب الأخرى. لكن هذا التمييز لا يعني الفصل بين الجانبين، على الأقل في ما يخص التجربة الأوروبية للحداثة. فهناك حصل تساوق بين التحديث المادي للوجود البشري وبين الحداثة الفكرية. وعلى هذا النحو جاءت الحداثة الأوروبية مكتملة أو متكاملة: أي تمشي على عكازين لا عكاز واحد. فالتقدم كان على الصعيد المادي والفكري في آن معاً.ا

أما عندنا وبالأخص في المجتمعات البترولية المحافظة، فقد حصل تناقض صارخ بين الحداثة المادية والحداثة الفكرية. فقد استطاعوا إدخال أحدث الآلات والمخترعات التكنولوجية إليها بفضل السيولة المالية. لكن في ذات الوقت، حصلت مقاومة شديدة للتحديث الفكري، وبخاصة في ما يتعلق بالدين وتقييم الماضي. ونحن الآن ندفع ثمن هذه الحداثة المبتورة، أي التي تمشي على عكاز واحد. ولو أن التحديث شمل كلا الجانبين الفكري والمادي، لما شهدنا كل هذا الانفجار الرهيب للحركات الأصولية المتزمتة. وبالتالي، فتحديث العقلية العربية الإسلامية أصبح ضرورة ملحة الآن، بل ولا يقل أهمية عن تحديث الزراعة أو الصناعة أو قطاع الخدمات والمشافي وغير ذلك من جوانب الحياة اليومية.ا

لقد حصل عندنا نوع من انفصام الشخصية أو الشيزوفرينيا، نتيجة إدخال السيارات والطائرات والآلات وإبقاء العقلية القديمة على حالها. وهكذا أصبحت حياتنا اليومية مليئة بمظاهر الحداثة المادية، لكن عقليتنا تنتمي إلى العصور الغابرة!. وأكبر خطأ وقعنا فيه هو أننا اعتقدنا بإمكانية استيراد التكنولوجيا والسيطرة عليها دون أن نجري أي تغيير على تراثنا الفكري. والواقع أن التكنولوجيا الغربية لا يمكن فصلها عن العقلية التي أنتجتها. وهي عقلية علمية وفلسفية وليست لاهوتية أو محافظة. فأوروبا عندما كانت أصولية مسيحية طيلة ألف سنة لم تستطع أن تنتج العلم والفلسفة والمخترعات التكنولوجية. ولو لم تنفصل عن العقلية المتزمتة لظلت متخلفة. والشيء الذي حصل بعد الاستقلال والذي ندفع ثمنه الآن، هو أن التيار المحافظ انتصر بشكل أو بآخر. وفرض إرادته ومنع إدخال الحداثة الفلسفية إلى ساحة الفكر الإسلامي. وهكذا ظلوا يدرّسون الدين في المدارس والجامعات كما كانوا يفعلون في العصور الوسطى! لقد أرادوا تحديث كل شيء ما عدا الفكر الديني. والآن نعود إلى نقطة الصفر من جديد لكي نواجه أكبر مشكلة في تاريخنا الحديث بعد أن أجبرتنا الحركات الأصولية على ذلك. فالعالم كله أصبح يركز أنظاره علينا ويطالبنا بالتحديث والتجديد وتغيير برامج التعليم. فنحن ورثة تراث عريق وكبير هو التراث العربي الإسلامي. لكن ماذا فعلنا له؟ هل خدمناه بالدراسة العلمية والمنهجية كما فعل مفكرو أوروبا مع تراثهم المسيحي؟ هل جددناه حقاً ونفضنا غبار الأزمنة المتطاولة عنه؟ هل حاولنا التوفيق بينه وبين الحداثة العلمية والفلسفية كما فعل ابن رشد في وقته؟ أبداً لا. لقد اكتفينا بتحنيطه وتبخيره وتبجيله.ا

وبالتالي، فأول شيء ينبغي أن نفعله للخروج من المأزق هو تأسيس مراكز للبحوث والترجمة في شتى أنحاء العالم العربي بمشرقه ومغربه. فالمكتبة العربية لا تزال فقيرة في المراجع الفكرية الموثوقة. لا توجد عندنا كتب عن تاريخ الأديان مثلاً، أو عن علم الاجتماع الديني، أو عن النظرة إلى الدين من زاوية تاريخية محضة. توجد عندنا فقط النظرة التبجيلية أو التواكلية التسليمية الموروثة أباً عن جد منذ مئات السنين. وهذه لم تعد كافية. إنما ينبغي أن نضيف إليها النظرة العقلانية. وإلا فلا يمكن أن نصبح حداثيين فعلاً. وهذا لا يعني التخلي عن ديننا وتراثنا العظيم. أبداً، أبداً. إنما يعني فهمه بطريقة أخرى والنظرة إليه بعيون جديدة. إنها تعني عقلَنته أو اكتشاف العناصر العقلانية فيه وتنميتها وتطويرها والبناء عليها.ا

فالواقع أن الخط العقلاني طمِس في تراثنا بعد موت ابن رشد، أو قل انحسر وتضاءل. وسيطر علينا طيلة عصور الانحطاط، التيار التقليدي والتكراري الاجتراري الذي يرفض الإبداع بحجة أنه بدعة خطرة على العقيدة!ا

هناك طريقة أخرى للخروج من المأزق التاريخي الذي يواجهنا حالياً. فبالإضافة إلى ترجمة أمهات الكتب الأوروبية، يمكننا تأسيس كليات جديدة لتدريس تاريخ الأديان المقارن مثلاً. وهكذا تتوضح الأمور عن طريق المقارنة بين عدة تراثات دينية لا تراث واحد. وعندئذ نصبح أكثر انفتاحاً وتسامحاً بعد اطلاعنا على تراثات أخرى غير تراثنا الذي تربينا عليه منذ نعومة أظفارنا. وهكذا نثبت أنه يوجد فهم آخر للدين ورسالته السامية غير الفهم المتزمت أو المتطرف الذي يسيطر على قطاعات واسعة من مجتمعاتنا العربية والإسلامية. فالمعاهد التقليدية وكليات الشريعة لا ينبغي أن تحتكر بعد الآن تعليم الدين. إنما ينبغي أن تنافسها عليه كليات حديثة ككلية الفلسفة وعلم التاريخ وعلم الاجتماع، بل وحتى علم النفس.ا

كل المناهج العلمية وكل المصطلحات الحديثة ينبغي أن تستخدم لدراسة تراثنا العظيم المتراكم منذ أربعة عشر قرناً كما يفعل أركون في كتبه وأبحاثه. كلها ينبغي أن تُطبق عليه لإضاءته من الداخل بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. وعندئذ نفهم معنيي التراث والحداثة؛ معنى الأصالة ومعنى المعاصرة. وأما قبل ذلك، فلا. عندئذ نضيء التراث عن طريق الحداثة، والحداثة عن طريق التراث.ا

هذه هي المعركة الفكرية التي تنتظرنا في السنوات القادمة، والتي يتوقف على نجاحها أو فشلها مصيرنا ومستقبلنا. لكن بشائر الفكر الجديد ابتدأت تظهر في الأفق والحمد لله. وأصبحنا نسمع عن مصادرة هذا الكتاب أو ذاك من قبل التقليديين. وهذا ليس شيئاً سلبياً بحد ذاته، إنما دلالة على صحة الفكر العربي وعافيته وحيويته. فالواقع أن التقدم لن يحصل إلا بعد مناوشات ومصادمات عديدة بين الفكر القديم والفكر الجديد. وقد سمعنا أخيراً بمصادرة كتاب «الخطاب والتأويل» للمفكر المصري المشهور نصر حامد أبو زيد. لكن المؤسف هو أن الشخص الذي طالب «الأزهر» بمصادرته كان محسوباً على المجددين حتى أمد قريب في ساحة الفكر الإسلامي. إنه الأستاذ محمد عمارة، الذي طالما حقق كتب التراث القيّمة ومن بينها كتب ابن رشد رائد التيار العقلاني في الفكر العربي الإسلامي. أقول ذلك وأمامي على الطاولة كتاب «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» بتحقيقه الممتاز. فيا ليت الاستاذ عمارة استفاد من سماحة فكر ابن رشد واتساع منظوره ولم يمارس الرقابة على كتب المجددين الذين يمشون على خطى فيلسوف الإسلام الكبير نفسه.ا

"هاشم صالح"
(عن جريدة الشرق الأوسط)

ابتذال اللغة الإعلامية




في البدء كانت الكلمة. الإنسان كائن متكلم. الكلمة أداة لتبادل المعرفة والتجربة بين الناس. الكلمة شكلت اللغة. ثم كانت اللغة الأساس التاريخي لبلورة ثقافة كل أمة وشخصيتها.ا

الكلمة شرف كبير. أن تقول يعني أن تصدق. الكلمة وعد وعهد. الكلمة عقد شفهي بين الدولة والمجتمع. الدولة تتعهد بأن تضمن الأمن والعدل، في مقابل خضوع المجتمع للنظام والقانون. إذا اختلت هذه المعادلة حدث التذمر، فالتمرد، فالثورات.ا

مع ولادة السياسة كأداة لإدارة الناس، صعدت قيمة الكلمة كواسطة لتفاهم الدولة السلطانية مع رعاياها. باتت الكلمة لغة التوجيه والإرشاد. كان أول وزير للإرشاد هو ذاك الناطق باسم السلطان. ينزل الى الأحياء والأسواق حاملاً جرساً يقرعه ليجمع الناس. يبلغهم «فرمانات» الدولة، ووجوب الامتثال لها، ثم يدعوهم الى الدعاء للسلطان بالنصر وطول العمر.ا

مع بدايات عصر التنوير والثورات البورجوازية، ظهر منافس خطير لـ «وزير الإرشاد» السلطاني. استغل الخطيب السياسي سحر الكلمة. الخطابة فن إعلامي قديم. كان خطباء الإغريق يضعون حصاة في الفم، ثم يخرجون الى البحر ليتدربوا على الخطابة أمام صخب الأمواج (الجماهيرية).ا

عند العرب، «خير الكلام ما قل ودل». فـ«البلاغة الإيجاز». العرب قوم سحرتهم الكلمة والفصاحة. لعل الحجاج بن يوسف الثقفي أحد أخطب خطباء العرب. كان لسانه يضاهي سيفه. كان العراق كعب أخيل الدولة الأموية. يخاطب الحجاج أهل العراق: «يا أهل الشقاق والنفاق، إنّي والله لأحزمنّكم حزمَ السَلَمَة (رزمة العصي) ولأضربنكم ضرب مواجع الإبل...» الحسرة اليوم تملأ القلب والنفس. ما زال في العراق الحبيب أهل وأبناء عمومة للشقاق والنفاق!ا

بلغ تأثير الخطابة السياسية ذروته في القرن العشرين مع تقدم الإعلام الإلكتروني. كان لينين خطيبا مُفـَوَّهاً. لكن هتلر كان أخطب خطباء القرن، وربما التاريخ كله. يخطب النقَّاش النمسوي الآتي من خنادق الحرب العالمية الأولى. تصيبه الرجفة. يهتز. يعرق. ينفعل. بسحر الكلمة الخادعة، أيقظ هتلر حلم الوحدة الجرماني. ساق عشرات الملايين بالفاشية كالقطعان إلى خنادق الحرب العالمية الثانية.ا

أصاب بريق الكلمة الفاشية العرب بالعدوى. صافح لاعب الكرة بيار الجميل هتلر في دورة برلين الأولمبية عام 1936. مسته كهرباء الرجفة. طلق الكرة واحترف السياسة. عاد بيار الى لبنان ليؤسس حزب «الكتائب اللبنانية». ثمة صحافي أكثر ثقافة من لاعب الكرة استعار آيديولوجية هتلر «القومية الاجتماعية»، «فأبدع» حزباً فاشياً آخر (الحزب السوري القومي الاجتماعي). كان المصري أحمد حسين أذكى من الجميل وأنطون سعادة. أسس حزباً فاشياً (مصر الفتاة) وأخفى فاشيته وميليشياه متستراً بوطنيته المصرية.ا

لست بحاجة الى التوسع في الحديث عن الفاشية العربية. فقد تحدثت عن الأحزاب الثلاثة مراراً وتكراراً هنا في «الشرق الأوسط» وفي مطبوعات أخرى على مدى العشرين عاماً الماضية. قيل لي إن كتاباً صدر في مصر منذ مدة بقلم أكاديمي مصري عن الموضوع ذاته. لا أدري ما إذا كان المؤلف قد نوّه في كتابه بالسابق الى الحديث، أم أنه «اكتشف» وحده علاقة الوصل والربط.ا

عندي كلام كثير عن فن الكلمة السياسية العربية لا مجال لسرده كله هنا. أكتفي بالقول إن لبنان كان مغارة الخطباء. وكان أفصحهم وأخطبهم ساسة ورجال دين مسيحيون. أين منهم «فشكلة» كلام ساسة لبنان اليوم الذين لا يجيدون لغة أمتهم؟!ا

لكن أخطب العرب في القرن العشرين اثنان: سعد زغلول وعبد الرحمن الشهبندر. قال لي الراحل فتحي رضوان أول «وزير إرشاد» لدى عبد الناصر: «لقد استمعت الى الاثنين. صاحبكم الشامي كان أخطب من خطيبنا المصري». بهر الشهبندر الطبقة المثقفة المصرية عندما راح يحاضر في منتديات قاهرة العشرينات والثلاثينات عن العروبة والاشتراكية والماركسية. كان كل ذلك جديداً على وعي المثقفين المصريين، ومتقدماً على فكر سعد زغلول المتوفى في عام 1927.ا

من حسن حظ أعداء العروبة أن عفلق والبيطار لم يكونا خطيبين أو محدثين بارعين. كنت أجلس في دمشق وباريس طويلاً الى البيطار. لم يكن الرجل أحياناً كثيرة ينبس بكلمة. خرج عبد الناصر بالخطابة من فصحاها. كان أول زعيم عربي يستغل الإعلام الإلكتروني (المذياع / المايكروفون) الذي لم يكن متاحاً لزغلول والشهبندر.ا

لست أبالغ إذا قلت إن شعبية عبد الناصر تركزت في تأثير كلمته الإلكترونية ولهجته المصرية المحببة ودعوته القومية. ثم ما لبثت الخطابة الشعبوية (الإثارة العاطفية) أن توارت أمام لغة إعلامية أكثر هدوءاً، حتى لدى عبد الناصر الستينات عندما نضجت تجربته، وبعدما تكسرت النصال على النصال في الجسد المثخن بالجراح.ا

مع إفلاس الماركسية كنظام سياسي، أفلست لغة الآيديولوجيا الخشبية. تراجعت الناصرية. لم يبق من بعث العراق وسورية سوى هيكل عظمي. فقد ابتلعته الطائفة والعشيرة والعائلة وعبادة الشخصية. لكن ما زالت لغة الخمسينات التنظيرية سائدة في الإعلام السوري، وفي خطاب بشار وتصريحاته السياسية المطولة.ا

كنت أخال أن تؤدي أسلمة السياسة الى تهذيب اللغة الإعلامية، وتحصينها بأخلاقية دينية. حدث العكس. اقرأ واسمع الخطاب السياسي الديني. خمسة آلاف موقع في الانترنت لمؤسسات ومنظمات ورجال دين ودعاة ووعاظ. حروب بالكلمات. فتاوى متناقضة. اتهامات متبادلة. سباب بأقذع الشتائم. إرشادات لاستعمال الأسلحة. دروس في التفخيخ بالمتفجرات. حض على التكفير والكراهية وقتل الناس بالجملة.ا

بعقلية إرضاع الموظفة زميلها في الغرفة، تفكر وتتصرف المؤسسة الدينية التقليدية في حلفها مع الدولة. بهذه العقلية وبرضى الدولة وصمتها، فرضت المرجعية التقليدية رقابتها ووصايتها على لغة الإعلام والأدب. تمنع. تحرم. تحلل، فيما كتب وتسجيلات اجتهاد القرون الوسطى وتفسيره المتزمت البعيد عن منطق العصر تباع في كل زاوية ومكتبة بلا رقابة. بعد ذلك تشكو الدولة من هيمنة «الإسلام الجهادي» على العقل الاجتماعي.ا

إسفاف العمل السياسي أدى إلى ابتذال لغة الإعلام. سقطت مصداقية الكلمة. تدهور مستوى التحليل. اقرأ صحف المعارضة المصرية. اسمع تصريحات الساسة والناطقين الرسميين في العراق ولبنان وفلسطين. لكل منهم روايته، ولرفضه وتجاهله الرأي الآخر.ا

في هذا الصخب الفارغ، يستحيل التوصل إلى التسوية. يستحيل عليك أن تستخلص الحقيقة من أشداق الساسة ورجال الدين السنة والشيعة في العراق، ومن التراشق الإعلامي في لبنان، ثم من عشرات الناطقين باسم فتح وحماس.ا

أضرب مثالا واحدا. دفعت حماس بـ31 ألف موظف «حماسي» الى التظاهر في الشارع مطالبين بمرتباتهم. يبدو الطلب محقا. لكن هل كانت السلطة التي تئن تحت نير الاحتلال والحصار والديون، وتعيش عالة على المنح الدولية والعربية، بحاجة إلى 31 ألف موظف جديد، بينهم 23 ألف رجل أمن لحراسة حكومة حماس، إضافة إلى 150 ألف موظف «فتحاوي» بينهم ما لا يقل عن سبعين ألف رجل أمن لحراسة سلطة عباس؟

تسخير الإعلام لمجافاة الحقيقة والواقع لا يقتصر على الساسة والدولة. المواطن العادي أيضاً يشارك. قال المتقاعد الفلسطيني جميل العشّا: «العربي في العالم الغربي يُداس، ولا أحد يسأل عنه». إذا كان ذلك صحيحا، فلماذا أرسلت ابنك الطبيب بلحيته الشاردة وهوسه الديني الواضح في صوره وهيئته الى العمل في «بلاد الكفار»؟ أعيش في الغرب وأعمل منذ أكثر من ثلاثين سنة. نعم، هناك تعصب. لكنْ، هناك عدل. لا أدين ولا أتهم سلفاً. لكن المحروس نجلك في عهدة قضاء عادل لا تسيره الدولة، قضاء يستجلي الحقيقة في بلد يعمل في مستشفياته العامة تسعون ألف طبيب عربي وأجنبي ومسلم إلى جانب 150 ألف طبيب بريطاني. العرب لا يداسون بالأقدام في الغرب. إنها الحقيقة التي نشوهها وندوسها بالأقدام في الشرق.ا


"غسان الإمام"
(عن جريدة الشرق الأوسط)

! مشاريع السلام العربية

! مشاريع السلام العربية

! بعد أربعين عاما من النكبة

! بعد أربعين عاما من النكبة

!"مجلس النواب الأمريكي يهنئ اسرائيل في الذكرى ال40 "لاعادة توحيدالقدس

!"مجلس النواب الأمريكي يهنئ اسرائيل في الذكرى ال40 "لاعادة توحيدالقدس