samedi 16 juin 2007

إعادة كتابة تاريخ المغرب من منظور يهودي



إن المتتبع للثقافة اليهودية في المغرب يلاحظ أن قطيعة معرفية بينها وبين الثقافة المغربية العربية الإسلامية تكاد تكون شبه تامة، بالرغم من القواسم المشتركة. ومرد ذلك ـ فيما نعتقد ـ إلي البنية المغلقة للطائفة اليهودية، بحيث رفض اليهود كل مظاهر الحرية الممنوحة لهم وأصروا علي بقائهم في أحيائهم المغلقة الغيتوات ولم يكتفوا بالعزلة المكانية داخل الغيتو/ الملاح(1) التي تحرمهم من الاتصال بالآخرين، بل فرضوا علي أنفسهم العزلة العضوية التي يرجع سببها إلي العيوب العضوية التي يحملها الفرد وتمنعه من تكوين التفاعلات مع الآخرين كالعمي والعطش وهكذا كان لليهود في الغيتو وجود خاص، وحياة متكاملة، الحياة في الخارج غير آمنة وعرضة للخطر، أما في الداخل فكانت منسجمة لا ينقصها أي عنصر من العناصر الاجتماعية، وعرفوا أهمية الغيتو لحياتهم فكانت محصلة اهتماماتهم بناء أسوار غير مرئية لحماية الغيتو وهي أعلي وأمنع من الأسوار المبنية من الحجارة إلي جانب هذه العزلة المزدوجة (المكانية والعضوية)، تموقف المغاربة المسلمين من أية ثقافة تتعارض والمباديء الإسلامية. وهذا ـ في تقديرنا ـ هو ما جعل الثقافة اليهودية المغربية تبدو باهتة علي امتداد تاريخ المغرب، علماً أن الوجود اليهودي ببلادنا تمتد جذوره إلي حقب سحيقة إذ يعتبر اليهود تاريخياً، أول مجموعة غير بربرية وفدت إلي المغرب وما تزال تعيش فيه إلي يومنا هذا بل يذهب حاييم الزعفراني إلي أبعد من هذا حينما يشير إلي آراء بعض المؤرخين يهوداً وغير يهود تعرضوا لذكر طائفة يهودية كانت تعيش في مدينة وليلي في العهد الروماني. وعثر في بقايا ذلك الموقع علي شمعدان برونزي ذي سبعة عروش. كما عثر أيضاً علي بقايا شاهد قبر كتب عليه بالعبرية : مترونا بت ربي يهوده نح... (السيدة بنت الربي يهودا لها السكينة). ويظهر أن المستعمرة اليهودية ظلت بوليلي إلي أن ورد العرب علي المغرب. وقد أشار المؤرخون العرب أنفسهم إلي وجود قبائل بربرية متهودة في زرهون، غير بعيد عن هذا المكان، أيام تأسيس مدينة فاس سنة 808 ولم يكتف الزعفراني بمحاولة إثبات الوجود اليهودي في المغرب علي مدي تاريخه، بل طرح ما هو أخطر حينما قال: ولقد أصبحت النظرية التي تفترض بأن جل اليهود المغاربة هم مغاربة أصلاً تهودوا ولم يفدوا علي المغرب من خارج، والتي يقول بها بعض المؤرخين متداولة ومسلمة ثابتة .
مثل هذا الطرح لا بد وأن يكون غير بريء، ويخفي وراءه نية لا نعتبرها سليمة، لأن معني هذا أن اليهود هم أصحاب حق في البلاد المغربية، فلهم الحظوة والسبق. وهو قول يدعو بشكل مكشوف إلي إعادة كتابة تاريخ المغرب بناء علي المعطيات الجديدة وبناء علي هذا التصور المعزز بفرضيات علمية و حفريات جيولوجية ، و آراء تأريخية . قد نتفق مع حاييم الزعفراني ومع غيره في الإقرار بوجود يهودي في المغرب له عمقه التاريخي والاجتماعي ولكننا نختلف معه، بشكل جذري وقطعي، فيما ذهب إليه. وبما أن موضوع هذه الدراسة ليس هو التأريخ فإننا ندعو المؤرخين والدارسين والباحثين المغاربة، في كل التخصصات والمجالات، إلي تفنيد مثل هذا الادعاء المبني علي معطيات خاطئة وأسس هشة وتصورات افتراضية ليس إلا. والمجهود الذي نقدمه اليوم هو خلاصات دراسة لأنماط صورة اليهودي في المتخيل الاجتماعي، وفي الثقافة المغربية. وإن كنا لا نهدف ـ من خلاله ـ النبش في تاريخ الوجود اليهودي بالمغرب؛ فإننا سنركز علي المصادر التاريخية والاجتماعية التي شكلت هذه الأنماط.
نعتقد أنه آن الأوان لتسليط الضوء علي كل جانب من جوانب العلاقة بين اليهود والمسلمين المغاربة، وما تتطلبه دراسة مثل هذه من رصد لأوجه الاختلاف والائتلاف بيْنهما. وقد تفيدنا كثيراً دراسة الجوانب التاريخية والاجتماعية والثقافية لفك رموز هذه العلاقة حتي نسد الطريق علي كل ادعاء. وبناء عليه فسواء اعتبرنا هذه الجوانب انعكاساً للواقع (وهي كذلك) أو أداة لتشكيل وخلق واقع جديد مغاير، فإن تعالقاتها بالحياة ومختلف أوجهها تبقي من صميم ماهيتها واهتماماتها. هذه دراسة لصورة اليهودي التاريخية والاجتماعية والثقافية ومن أجل عرض صورة أكثر توازناً، فإن العوامل الاجتماعية والتاريخية تشكل جزءاً هاماً من هذه الدراسة وقد انحزنا إلي العوامل الاجتماعية والتاريخية ليس فقط من أجل مقاربة العلاقة بين اليهود والمسلمين، ولكن من أجل الكشف عن كل تجليات صورة اليهودي الذي يحاول ما أمكن إخفاءها ويمارس بالنسبة لأصوله وثقافته نوعاً من الرقابة الذاتية، بل تتحول أحياناً هذه الرقابة إلي التخريب الذاتي، وكان هذا اليهودي يتنكر لماضيه، ويخفي قيمه الموروثة عن آبائه وأجداده، معتقداً أنه من غير المفيد أن يكشف عنها، إما جهلاً أو عن عدم إدراك، أو استحياء من الحالة التي هو عليها ، هذا اليهودي الذي يتنكر لماضيه ويخفي قيمه الموروثة عن آبائه وأجداده، علي حد تعبير الزعفراني هل يساعد الآخر علي رسم صورة له؟ وكيف يمكن لأية دراسة تتحري الموضوعية وتتغيا العلمية أن تتجاوز هذا السور المغلق لتقارب الجزئيات الدقيقة، والملامح الخفية لهذه الصورة؟ فعلاً لقد تكتم اليهود المغاربة ويتكتمون ـ بشكل مريب ـ عن نتاجاتهم الأدبية والفنية، ولم يشهروا منها إلا النزر القليل. إلا أن ما لاحظناه في الآونة الأخيرة هو بروز اهتمام مفاجئ بهذه النتاجات ليس فقط من طرف اليهود المغاربة وحدهم، بل، أيضاً، وربما بنفس الدرجة، من طرف الباحثين المغاربة ولقد اتخذت حالياً، مبادرات في إسرائيل وفي غيرها لتشجيع وتطوير الأبحاث والدراسات حول هذه اليهودية الشرقية والسيفرادية، لدراسة تاريخها طوال خمسة قرون الأخيرة. وعلينا أن نأمل إنجازات حقيقية في هذا الصدد، وفي أقرب الآجال. وفي الحقيقة، فإنه قد حان الأوان لنفض الغبار عن هذه القرون المعتمة في تاريخ وفكر الشتات الشرقي، وهذا ميدان هام من العالم اليهودي ومن ثقافته التي ظلت بعيداً عن العلم والبحث، ومقصاة من الدراسة والتعليم هذه القرارات التي اتخذت في إسرائيل وجدت صداها في المغرب، لأن التراث الثقافي ليهود المغرب هو جزء لا يتجزأ من الفكر اليهودي الشامل من جهة، ولأنه يساهم في المعرفة الجيدة للعالم العربي ـ الإسلامي، ومجتمع حوض البحر الأبيض المتوسط من جهة أخري. وبالإضافة إلي ذلك، فإننا نلمس وعياً بهذا، في المغرب العربي نفسه، حيث تبدي مجموعات البحث العلمي الجامعي، والمجلات المتخصصة والصحافة اليومية، اهتماماً ظاهراً بالدراسات الخاصة بيهود المغرب وبالوثائق المتوفرة التي أصبحت تعتبر لدي بعض المغاربة المسلمين مصدراً لا يستهان به لتاريخهم، بل جزءاً من فكرهم، وعلي الخصوص عندما يتعلق الأمر بالآداب الشفوية والشعبية، واللهجات والإبداع الفني والموسيقي والغناء نفس التصور تعبر عنه الدكتورة ريزا دومب بحيث تشدد علي إجراء الأبحاث التي تحسن العلاقة بين العرب واليهود إنه لأمر مرغوب فيه كثيراً إجراء الأبحاث، التي تستهدف الوصول إلي تفاهم ما بين العرب واليهود، وأن أي خطوة، تقود إلي هذا التفاهم، ذات أهمية حيوية . وتضيف وأخيراً فحتي لو لم يؤد تحليل الأعمال الأدبية وعرض صورة العربي من خلالها، إلا إلي إلقاء ضوء علي جانب من جوانب العلاقة المعقدة بين العرب واليهود، فإن ذلك يساعد علي التفاهم المرغوب فيه بينهما وتري أن هذه العلاقة وإن كانت معقدة فإنها احد الموضوعات، التي لا تشغل فقط الشعبين المعنيين، بل تمتد أيضاً إلي ما وراء ذلك . تعقيد هذه العلاقة له أسبابه التي لا زالت قائمة إلي الآن. وما نحتاجه هو محاولات تجاوز هذه الأسباب، ولن يكون ذلك إلا بالكتابات الجريئة المقتحمة والمسؤولة في نفس الآن.

هوامش

(1) الغيتو Gheo وهو حي اليهود، أو معزلهم في المدينة داخل البلد الذي يقطنونه. وكلمة غيتو تطلق علي الحي السكني لليهود في بلاد أوروبا وأمريكا، أو حارة اليهود في ألمانيا Judengae نفس الاسم يطلق عليه في مصر، وقاع اليهود في اليمن، أو الملاح كما نسميه نحن في المغرب ويسميه كذلك الجزائريون والتونسيون والليبيون.

"د. محمد الوادي"

كاتب من المغرب
16/06/2007
(خدمة القدس العربي)

Aucun commentaire:

! مشاريع السلام العربية

! مشاريع السلام العربية

! بعد أربعين عاما من النكبة

! بعد أربعين عاما من النكبة

!"مجلس النواب الأمريكي يهنئ اسرائيل في الذكرى ال40 "لاعادة توحيدالقدس

!"مجلس النواب الأمريكي يهنئ اسرائيل في الذكرى ال40 "لاعادة توحيدالقدس